أبو حامد الغزالي
132
تهافت الفلاسفة
الوجود ، لأن وجوب وجوده بغيره ، لا بنفسه ، وهذه معان ثلاثة مختلفة ، والأشرف من المعلولات الثلاثة ينبغي أن ينسب إلى الأشرف من هذه المعاني ، فيصدر منه العقل ، من حيث إنه يعقل مبدأه ، وتصدر منه نفس الفلك ، من حيث إنه يعقل نفسه ، ويصدر منه جرم الفلك ، من حيث إنه ممكن الوجود بذاته . فينبغي أن يقال : هذا التثليث من أين حصل في المعلول الأول ومبدؤه واحد ؟ ! فنقول : لم يصدر من المبدأ الأول إلا واحد ، وهو ذات هذا العقل الذي به يعقل نفسه ، ولزمه - ضرورة ، لا من جهة المبدأ - أن عقل المبدأ ، وهو في ذاته ممكن الوجود ، وليس له الإمكان من المبدأ الأول ، بل هو لذاته ؛ ونحن لا نبعد أن يوجد من الواحد واحد ، ويلزم ذات المعلول - لا من جهة المبدأ بل من جهته - أمور ضرورية ، إضافية أو غير إضافية ، فتحصل بسببه كثرة ، ويصير بذلك مبدأ لوجود الكثرة ؛ فعلى هذا الوجه يمكن أن يلتقى المركب بالبسيط ، إذ لا بد من الالتقاء ، ولا يمكن إلا كذلك ، فهو الذي يجب الحكم به . فهذا هو القول في تفهيم مذهبهم . قلنا : ما ذكرتموه تحكمات ، وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات ، لو حكاها الإنسان عن منام رآه ، لاستدل به على سوء مزاجه ؛ أو لو أورد جنسه في الفقهيات التي قصارى المطلب فيها تخمينات ، لقيل أنه ترهات ، لا تفيد غلبات الظنون . ومداخل الاعتراض على مثلها لا تنحصر ، ولكنا نورد وجوها معدودة : الأول : هو أنا نقول : إدّ عيتم أن أحد معاني الكثرة في المعلول الأول أنه ممكن الوجود ، فنقول : كونه ممكن الوجود ، عين وجوده أم غيره ؟ ! فإن كان عينه ، فلا تنشأ عنه كثرة « 1 » ، وإن كان غيره ، فهلا قلتم : في المبدأ الأول
--> ( 1 ) يريد فقط نفى الشئ الذي ادعوا صدوره عن هذا الجانب ، فحيث لم يرتبوا على الوجود شيئا ، وحيث آل أمر الإمكان إلى أنه الوجود فينبغي ألا يصدر عنه شئ ؛ أما الكثرة التي صدرت عن العلم بالذات والعلم بالمبدأ الأول ، فلا يريد نفيها هنا ، لأن لها بحثا يأتي ، ولأن وحدة الوجود والإمكان لا تستلزم نفى الكثرة الناشئة من تعدد جهات أخرى .